ابن رشد
86
تهافت التهافت
مساوقا للزمان والزمان مساوقا له ، فقد يلزم أن يكون غير متناه وألا يدخل منه في الوجود الماضي إلا أجزاءه التي يحصرها الزمان من طرفيه كما لا يدخل في الوجود المتحرك من الزمان في الحقيقة ، إلا الآن ولا من الحركة إلا كون المتحرك على العظم الذي يتحرك عليه في الآن الذي هو سيال . فإنه كما أن الموجود الذي لم يزل فيما مضى ، لسنا نقول : إن ما سلف من وجوده قد دخل الآن في الوجود ، لأنه لو كان ذلك لكان وجوده له مبدأ ولكان الزمان يحصره من طرفيه ، كذلك نقول : فيما كان مع الزمان لا فيه فالدورات الماضية إنما دخل منها في الوجود الوهمي ما حصره منها الزمان ، وأما التي هي مع الزمان فلم تدخل بعد في الوجود الماضي كما لم يدخل في الوجود الماضي ما لم يزل موجودا إذ كان لا يحصره الزمان . وإذا تصور موجود أزلي ، أفعاله غير متأخرة عنه على ما هو شأن كل موجود تم وجوده أن يكون بهذه الصفة فإنه إن كان أزليا ولم يدخل في الزمان الماضي فإنه يلزم ضرورة ألا تدخل أفعاله في الزمان الماضي لأنها لو دخلت لكانت متناهية فكان ذلك الموجود الأزلي لم يزل عادما الفعل وما لم يزل عادما الفعل فهو ضرورة ممتنع ، والأليق بالموجود الذي لا يدخل وجوده في الزمان ولا يحصره الزمان أن تكون أفعاله كذلك ، لأنه لا فرق بين وجود الموجود وأفعاله فإن كانت حركات الأجرام السماوية وما يلزم عنها أفعالا لموجود أزلي غير داخل وجوده في الزمان الماضي ، فواجب أن تكون أفعاله غير داخلة في الزمان الماضي . فليس كل ما نقول فيه أنه لم يزل يجوز أن يقال فيه قد دخل في الزمان الماضي ولا أنه قد انقضى لأن ما له نهاية فله مبدأ ، وأيضا فإن قولنا فيه لم يزل نفي لدخوله في الزمان الماضي ولأن كان له مبدأ ، والذي يضع أنه قد دخل في الزمان الماضي يضع له مبدأ فهو يصادر على المطلوب ، فإذا ليس بصحيح أن ما لم يزل مع الوجود الأزلي فقد دخل في الوجود إلا لو دخل الموجود الأزلي في الوجود بدخوله في الزمان الماضي . فإذا قولنا : كل ما مضى فقد دخل في الوجود يفهم منه معنيان : أحدهما : إن كل ما دخل في الزمان الماضي فقد دخل في الوجود وهو صحيح ، وأما ما مضى مقارنا للوجود الذي لم يزل أي لا ينفك عنه فليس يصح أن نقول قد دخل في الوجود لأن قولنا فيه قد دخل ضد لقولنا أنه مقارن للوجود الأزلي ، ولا فرق في هذا بين الفعل والوجود ؛ أعني من سلم إمكان وجود موجود لم يزل فيما مضى فقد ينبغي أن يسلم أن هاهنا أفعالا لم تزل قبل فيما مضى ، وأنه ليس يلزم أن تكون أفعاله ولا بد قد دخلت